خمس قصائد للشاعر الإيراني أحمد رضا أحمدي
خمس قصائد للشاعر الإيراني أحمد رضا أحمدي
ترجمها عن الفارسية: محمد الأمين.
يعتبر أحمدرضا أحمدي من أهم شعراء الموجة الجديدة التي ثارت في ستينات القرن الفائت على حضور النفس الكلاسيكي في القصيدة النيمائية (نسبة الى نيما يوشيج رائد الحداثة الشعرية في ايران ) تتصف قصائد أحمدي بمهارة عالية في المزج بين الفكرة والصورة الحسية عبر تداعيات ذهنية تنأى عن التعقيد اللغوي.
يذكرأن احمدي من مواليد أقليم كرمان عام 1940 وقد اصدر عدة مجاميع شعرية أهمها:
الصحف الزجاجية
وقت المصائب الجميل
فقط بكيتُ بياض الحصان
ألف درجة سلم نحو البحر
كل تلك الاعوام
الأسفار الخمسة
واقفون على الارض
خرائب القلب في مهب الريح
بقعة من العمر على الحائط.
لفرط عينيكِ
لفرط عينيك أستيقظ من النوم باكرا
ناكراً لغتي الأم.
إثرَ طيران الحمائم
تتدفأ الأغصان. . .
نحن ضيوف أغصان الصيف الدافئة.
للحقيقة فلأقل:
كنّا نتهامس تحت أغصان الأشجار
المرتجفة في الربيع. . .
الأشجار لا تسمعنا في الشتاء.
في حضورنا وحضور الأشجار العارية
كأنَّ ثمة غفلة تتوهج
على ضوئها كنّا نتدفأ، نتعرّى
ونحترق بعد هنيهة.
تحت الأغصان ذاتها
في ربيع مضى
كانت العروس بلا فكرة واضحة عن المستقبل
لذا إنتشر نثار الورود الميتة تحت الأغصان.
في تلك الأعوام،
في خرائب اللاشيء الأخضر. .
صارت الورود دموعاً
وكانت السماء زرقاء.
قرب أغصان ورود البيلسان
كان الحريق هائلاً على نحوٍ
أننا نادينا بعضنا الآخر <<أيها البستان>>!
وأدركنا أن مفردة <<ماء السنين>> تعني البستان
كان الحريق هائلاً على نحوٍ
أن الأساطير جرفتنا
وأن براعم التوت البرّي صارت ثماراً.
كنّا واقفين إلى جواره حين شبَّ الحريق صيفاً
نستطيع الموت وقوفاً
لكنا صبرنا كي نجيب على أسئلتكم حول العروس
التي تداعت في الربيع
فانسكب الزمن من أعيننا.
نظرنا، رأيناكم جميعاً في آخر الصيف
نعرفُ أنكم كائنات صاخبة، غير واقعية،
هرمينَ
وقورينَ
مغرورينً، كنتم.
أذكر امرأة مُسنِّةً
كانت تستفسرُ عن الحدّادين الذين رحلوا
مع ببغائها إلى البحر
ولم يخرجوا منه، قط
رأيتُ مشاعل النار.
موجزة كانت قامتي تحت أغصان الأشجار
جوار الحريق،
لكنها كافية كي أدرك أن الولهينَ يتبرعمون جوار الحرائق
أحببتهم حتى تبرعم الحريق بدوره.
كنّا نبحثً عن مبرّر لإدامة الحياة
قلتُ بإيجاز: سأعود ثانية، مرتدياً حذائي. .
أسترجعُ الجلابيب البيضاء من الخيّاط
أتأمل الولهين، مرة أخرى
أُؤمِّن الرؤيا لديهم
كي يدخروها في بيوتهم إلى فصلٍ آخر
هكذا دوّنتُ في مذكرتي يوم الحريق
الحريق الذي اضاء ملامح الإنسان الغارق
في البحر، وأيام العُطل،
وإذا صار الصمتُ بحراً محضاً
رأيتُ في تخومه جادة طاهرة
تبددتْ إثر تشظي الثمار في السلال
فذات يوم عطلةٍ
أضاع الجيران سلال الثمار
وكنتُ أعرف أن قلبي قد نأى كثيراً عن البيت.
كنا على دراية بهذا الوجع
دائماً يفد حديث الموت أثناء الليالي الناصعة
لذا كنا نغيبُ
لنهب الملابس البالية للبحر
ونقفُ منتظرين اللا أحد
وكأنّ الملابس ما زالت على أجسادنا.
لقد مرَّ قلبي المنفيُ بجوار حشدِ
يشيِّع التوابيت تحت مطر الربيع
وأنا المضمّخ بالورد والأسى
كنت أعرف لحظة الموت
أنا والموتُ ممتزجان بوجهكِ المطري. . .
أنتِ الجالسة تحت شمس. . .
أنتِ المحتجبة مع هطول المطر
بحثاً عنكِ، بلا مبالاة، قضينا النهار كله تحت المطر
كنّا نجتاز الجسر
طلبتُ منكِ أن تستضيفيني بمحبةٍ ولطف
فالجادةُ ممتدة،
وقد اضعتُ درب العودة
ومازال المطر يهطل في ذاكرتي.
حشد كبير مرَّ بجوار الحريق
حشد يكرر سؤاله الأبدي:
متى ستخمد نيران الحريق؟
متى ستعود سلّة البحر إلى بيتنا؟
وإذا كنّا نكرّر السؤال ذاته
كانوا يجيبوننا بآهة مقتضبة: كم فسيح هو الليل!
وكنّا نرّد:
جافة هي الأرض
ولا مطر!
على قارعة الطريق رأينا الحريق يشّبُ في مطلع كل فصل. . . كُنّا وما نزال
سنوات
بأمل أن نراكِ
قضينا سنوات مديدة بين الصمت والبحر
محدّقين بمطلع الزقاق.
ذات خريف وفي خاتمة أمسية عالقة بورد البيلسان
حفرنا نفقا تسللنا من خلاله الى أعماق الأرض
نأينا عن البيت كثيرا
رأيناكِ واقفة في آخر محطة
تسألين عن أوقات انطلاق القطارات المتجهة الى الجنة
وكانت الإجابات تتبخّر تحت الأرض.
الخريف
الخريف تائه خلف أغان منسية.
كان الليل من قماشة الصيف
والحزن عربة ثقيلة تجتاز الصيف
وكان ثمة هاجس يخاطب الربيع:أعشقكَ في السهول والوديان والبراري.
أما اللحظة المهجورة فقد كانت تطلق أسماء شتى على النهار وتصير في كفيَّ بحرا
وكان الظامئون يلهجون بأسمي تحت الشمس وفي عمق الأحياء والأزقة.
كان النهار حجارة
وكنت أتعلم منكِ شفافية السهو
وكلما نظرتُ الى أعماقي كان ثمة قارب غريق
رماد كل صيف في يدي
لكنني لم أعلم أن الموت رمادي.
فقط
لاتذبل الايام وحدها علة قارعة الشوارع
فثمة الجدار والهدوء الذي يمنحنا الصمت.
قطرة قطرة نهرم
وأحيانا نطيل النظر في المرآة
حيث النضارة والنشاط.
بقعة من العمر على الحائط
وتوارت
كنا نولَدُ
لنرى الأنهار تنبع من ألبوم الصور وتصب في الصحراء
وحينما ولدت قطرات عرق على جبيني
أدركت أن العمر قد شارف على نهايته
وأن نسوة يندبن حالي منذ الآن.
يداكِ
لتكن يداك متوهجتين وطعامك ساخنا.
ليكن خبزك متوفرا في البيت
والندم في صوتكِ.
هيئي النار واجلبي نوما
جهّزي المائدة فهذه آخر ليلة من العمر,
ريحان طازج وخبز شهي
والآلة الموسيقية جاهزة
و هذه آخر ليلة من العمر.
المسنون الذين يبدون شبانا والشبان الذين يبدون مسنين
السماء زرقاء وهذه ليلة العمر الأخيرة.
بين صلاتي العشاء والنوم
تتبرعم نرجسة
وهذه ليلة العمر الأخيرة.
ليهاتف أحدنا الآخر
لنتكئ على الجدار
ونخاطب الأطفال بلغة العجائز.
كنت فتى مرحا أحب الحصان والرغيف الساخن والإصطبار
لكن الثلوج هطلت
ونسانا الموت سارحين بين الثلج والزمهرير
ومازلت ُحيّا
ومازالت الثلوج تساقط.