تلك الأيام مضت
الشاعرة الإيرانية : فروغ فرّخزاد
ترجمة : محمـد الأمين
تلك الأيام مضت
الأيام الجميلة
. الأيام السليمة الناشطة
تلك السماوات المليئة بالخرز
تلك الأغصان الزاخرة بالكرز
تلك البيوت المتشابكة في إطار اللبلاب الأخضر
سطوح الطائرات الورقية المشاغبة
. . الأزقة الدائخة بعبق الأكاسيا
تلك الأيام مضت
أيام كانت اغنياتي تفور من بين شقوق جفني كفقاعات مليئة بالهواء
كُلّما انزلقت عيني علي شيء ,
ارتشفته كحليب طازج
كأن أرنب بهیج مشاکس يقيم بين بؤبوي عينيَّ
يتجول، كل صباح، مع الشمس الهرمة في سهول مجهولة
الغد.
ویغور ليلا ، في غابات العتمة
مضت تلك الأيام
الأيام الثلجیة الصامتة
اذ اتامل الفضاء كل لحظة عبر زجاج نافذة غرفتي الدافئة
فيا تهطل ثلوجي الناصعة
علی السُلّم الخشبي العتيق كزغب لطیف
على حبل الغسيل المتهرئ
وضفائر الصنوبرات الشائخة عل?
وأنا کنت أفكر مليّاً بالغد
آّه.. الغد-
أقصد الحجم الأبيض الراعش
كان ینبثق من خشخشة شادور الجدة
من رسمة ظلها الزائف علی إطار الباب
اذ تمنح نفسها لمشاعر النور الباردة
الغد، و خارطة طيران الحمائم الهائم في الكؤوس الملوّنة
. الغد ...
.
. كان دفء الكرسي[1] يثير النعاس
و أنا مسرعة و دون أي ارتباک
بعیدة عن عین أمي
كنت أمسح
الخطوط المبعثرة من دفتر واجباتي السابقة
وحين ينام الثلج أتجول في الجنينة، كئيبةً
وأدفن عصافيري الميتة جوار أصص اللیلک المتيبسة
تلك الأيام مضت
أيام الجذب والحيرة
أيام النوم واليقظة
كان لكل ظل، سرٌّ
كل علبة مغلقة، كانت تخفي كنزا
کل زاویة من غرفة الخزانة
کأنها عالم في صمت الظهیرة
وکان بطل جسور في عینی من لا یهب الظلام
تلك الأيام مضت
أيام العيد،
انتظار الشمس والأزهار،
رعشات العطر،
تلك في اللقاء الصامت للنرجسات البریة
حين تزور المدينة في آخر صبح ٍ شتوي ,
غناء الباعة المتجولین في الشارع الممتد للبُقع الخضر
كان السوق عائماً فوق الروائح الهائمة
فوق الرائحة الحادة للسمك والقهوة
كان السوق يمتد تحت الأقدام،
يتمطى، يتعاضد مع کل لحظات الطريق
و یدور في قعر أعین الدمی
كان السوق أُماً تمضي مُسرعةً نحو إشراق لون سيّال
. لتعو د بعلب ا لهدايا،
بسلال مليئة
كان السوق مطراً يهطل، يهطل، يهطل.
. تلك الأيام مضت
أيام التمعن في أسرار الجسد
أيام العلاقات الحذرة الجميلة
بجمال العروق الزرقاء
يد بوردة
تنادي یداً أخری من خلف الجدار
يد تناثر عليها طلاء الأظافر،
يدً مشوّشة ًمضطربة خائفة
و بقع الحبر متناثرة علی تلک الید المتوترة المضطربة الخائفة
والحب
کان یعبّر عن نفسه بتحیة خجولة
في الظهاري الحارة المضمخة بالدخان
کنا نتلو حبنا في غبار الزقاق
كنا نعرف لغة أزهار البشائر البسيطة
نقتاد قلوبنا نحو حدیقة الحنان البريء
ونعیره للأشجار
فيما الكرة المتنقلة بين أيادينا، مكتظة بنداءات القُبل
فيما الحب،
ذلک الشعور المغشوش الذي یحاصرنا بغتة
في عتمة العتبة
ويجذبنا، تارة أخرى، إلى الركام اللاهب للأنفاس ودقات القلب والبسمات المستلة
تلك الأيام مضت
و ذوت تحت الشمس
. أيام شبيهة بنباتات تذوي تحت الشمس
الآن،
وقد ضاعت الأزقة الدائخة بعبق الأكاسيا
في زحمة ضوضاء شوارع بلا رجعة
أما الفتاة التي كانت تلوّن وجنتیها بأوراق أزهار الراعي
آه
هي الآن امرأة وحيدة
. هي الآن امرأة وحيدة